الأربعاء، 13 نوفمبر 2013




 عاشوراء ... السياسة والتسييس







عندما يرافق الجهل مسيرة الإنسان ، ويبقى الأخير سطحيِّ التفكير ، فلا غرابة في عدم وعيه لأبسط الإمور ، ولا عجب من إهماله لثوابت معتقداته . وبما إن الشارع يعجّ بالأحداث السياسية والتي كانت ولازالت هي المحور المهم الذي يتسبب في صلاح المجتمع وإستقراره بإعتبار أن السياسة تعني إدارة شؤون البلاد والعباد . وعند تسليط بصيص من الضوء على النهضة الحسينية المباركة وعلى دور الإمام الحسين عليه السلام بإعتباره إماما وقائدا للمسلمين نجد من البداهة أن يتدخل الإمام في الشأن السياسي باعتبارها جزء مهما من مسؤولياته الشريفة . بل من الواجب عليه أن يتدخل ويحسم الإمور لأنه هو الراعي وهو المرجع وهو الملجأ الذي تلتجئ الناس إليه . ومن الواضح أيضا أن مسالة الخلافة " الحكم " هي مسالة سياسية باعتبارها وظيفة لإدارة شؤون الأمة . فإذا كانت هي - السياسة - وظيفة السياسي العادي فكيف بساسة العباد وأركان البلاد ؟! .
ولا شك ولا شبهة في كونه عليه السلام شأنه شأن أهل البيت عليهم بعدم اتخاذهم من السياسية والخلافة غاية بل وسيلة لغاية سامية والتي لا تتحقق إلا من خلال الوصول إلى سدة الحكم . الأمر الذي ينفي العيب والإشكال عنهم سلام الله عليهم عندما يطلبون السلطة . ولا نتردد في قولنا أنهم طلاب سلطة . لكن أي سلطة هم يطلبونها ؟ وأي سياسة هم ينتهجوها ؟ بالتأكيد هم يطلبون السلطة التي من خلالها يشاع العدل والخير وقمع الظلم والفساد ، وهم ينتهجون سياسة الصدق والوضوح لا سياسة الغش والالتواء . وبذلك يتبين بكل وضوح المعنى المراد من السعي خلف السلطة والدخول في العمل السياسي .
وما عاشوراء إلا يوما سياسيا عارما إنتفض فيه الحسين وأهل بيته وأصحابه ضد الظلم والفساد . وهذا واضح وجلي في أهداف الثورة الحسينية المباركة والتي كان منطلقها هو الإصلاح من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ويفترض أن يتجلى هذا المعنى الإصلاحي في كل ما يرتبط بالحسين وثورته . أي علينا أن لا نفرغ القضية الحسينية من هذا المحتوى الهام بل الأهم .
ولكن للأسف نرى و نسمع من هنا وهناك من قبل البعض من خلال أقوالهم أو سلوكياتهم بأن الحسين أو يوم عاشوراء بعيد كل البعد عن السياسة ، بل هو يوم مخصص للبكاء والعويل فقط وفقط ! ويا ترى هل الحسين ضحّى بكل هذه التضحية بغيّة البكاء عليه ؟ نعم يستحب البكاء والتباكي وإظهار وإبراز مظاهر الحزن والمصاب لكن هذا لا يمنع من إبراز الجانب الأهم الذي فيه صلاح الفرد والمجتمع .
ولمَ لا نبكي ونُصلح في آن واحد ؟ أجمعهما محال ؟ لا وألف لا .
وليسأل كل منا نفسه لماذا يستحب البكاء والتباكي على الحسين عليه السلام ؟ هل هما الغاية ؟ أم أنهما وسيلة لغاية أخرى ؟ حسب فهمي القاصر أنهما وسيلة لتهذيب النفس والتأسي بمبادئ الحسين عليه السلام .
والآن نسال هل من المعيب أن نبرز الجانب الإصلاحي سواء كان سياسيا أو غيره في مراسيم العزاء أو في يوم عاشوراء ؟ اعتقد الجواب واضحا بالنفي . بل أنه من الوعي ومن مداليل الاستفادة من الثورة الحسينية أن نُطعم مراسيم العزاء بخبز الإصلاح . ومن يعترض على ذلك فليتأكد بأن الحسين عليه السلام سيكون خصمه وسيكون في المعسكر المعادي الذي يرفض الأمر بالمعروف والنهي عن النكر .
لذا حريّ بنا أن لا نقوقع المبادئ الإلهية المعظمة داخل المخيمات ، ولا نحبس الحسين في قدور الطبخ ، ولا نقيد أهدافه الخالدة بسلاسل اللطم .
بل أن نعي الوعي التام الذي يخترق لب الثورة الحسينية ، ويتعشق مع مضامينها تعشقا يصنع منا ألف حسين وحسين .
وكذا أن نفرق بين ترجمة سياستها وتسييسها لصالح الخير والمصلحين من تسييسها لصالح النفاق والمفسدين . بعبارة أخرى إن التسييس يعني توظيف الحدث في مسالة ما لصالح جهة معينة . وبكل تأكيد لا يوجد محذور في توظيفها ( تسييسها ) في سبيل إعلاء كلمة الحق التي يراد منها الحق ، بل المحذور في عدم توظيفها لأجل الحق . لذا من الضروري استغلال الموسم العاشورائي أو الشعائر المعظمة في الجانب الايجابي وليست من مشكلة في تسييسها في جانب الخير والصلاح مادامت هي مدعاة لهما بل وسيلة لهما . وهذا هو عين التأسي والاقتداء والاستثمار للثورة العظيمة .














2/ديسمبر/2011

 القلمُ النَدِيّ

أثير فرات الربيعي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق